الرئيسية / آراء حرة / عن شعيرة الحج والعيد لدى المتدين

عن شعيرة الحج والعيد لدى المتدين

كتب : طارق حجي

في البداية يبدو وكأن شعيرة الحج غير متناسبة مع العيد، فالعيد ذاته شعيرة، لكن كل شعيرة من الشعيرين “الحج” و”العيد” تنتمي لنظام مختلف من الشعائر، فلو أخذنا بتقسيم كايو للشعائر، سنجد أن العيد ينتمي لما يعرف ب”طقوس الانتهاك” أو “التحلل”، وهي الطقوس التي يخرج فيها المتدين عن كل الأنظمة الأخلاقية والاجتماعية وقوانين الثقافة -مقابل للطبيعة- من أجل “هدم العالم” والدخول في مرحلة مؤقتة “عتبة” من الفوضى تشابه حالة الفوضى أو السديم السابق لخلق الكون، فالعيد هو هذه العتبة التي يتم فيها هدم العالم من أجل تحيين -استعادة عيش- اللحظة خلق العالم مرة أخرى.

فالعيد بهذا هو لحظة دورية تجدد العالم وتجدد الصلة بالمقدس ويجدد فيها البشر العهد مع الآله، في حين “الإحرام” برفضه للمتع الدنيوية المقبولة، بل المدفوع إليها حتى في أيام أخرى، مثل الجنس والصيد، ينتمي لشكل قاسي جدا من “طقوس الاحترام” والتي على عكس “طقوس التحلل” تتطلب من المتدين الامتناع عن قائمة طويلة جدا وتفصيلية من المحظورات من أجل دخول حيز القداسة “أرض الحرم” “شعائر الحرم”

نظرة عامة تجعل الإنسان يستغرب من اجتماع الحج والعيد الإسلامي في وقت واحد

لكن في الحقيقة فهذا الاختلاف خلاف ظاهري فحسب، لأن إحرام الحاج ذاته ورغم شدة صرامته هو طقس تحلل، هو نفسه هدم للعالم وخروج منه، وعودة لما قبل مرحلة لحظة التكليف الإنساني -وهي في التوحيدية الإبراهيمية اللحظة المركزية في العالم الديني على خلاف الأديان السابقة “الكوزمية” ففيها اللحظة المركزية هي لحظة خلق الكون وميلاده-، للحظة براءة سابقة للعالم، أو تالية له ربما، هذا ما يحياه المحرم وهو يرتدي زي الإحرام الذي يقربه من الميت أو من آدم وحواء قبل معرفة المخيط من الثياب، وقبل معرفة الجدال والصيد والجنس، فهذا الإحرام/التحلل، يهدم عالم المؤمنين العادي، ويعيد إحياء لحظة التكليف، لحظة العهد الأول مع الله، خارج العالم وقبله، من هنا يصبح لا وقت أفضل لطقس الإحرام من العيد.

فالمؤمن في هذه الأيام أيام الإحرام -التي يعيشها الحج فعليا ويعيشها غيره شوقا- ينخلع من عالمه، ويخرج من كل شيء، ليواجه وحده الله كما كان الحال قبل العاام وكما سيكون الحال بعده، يجدد عهده وميثاقه مع الله.

وتجيد العهد يظهر في فعلين متشابكين يجددون عهد الطاعة الابراهيمية لله، -فآدم نسي، أما إبراهيم فهو الذي وفَّى- في رمي الجمرات، والذي يقوم فيه المؤمن بتحيين -في الغالب- لفعل إبراهيم حين ظهر له الشيطان ليثنيه عن تنفيذ أمر الله بذبح إسماعيل، والفعل الثاني حين يقوم المؤمنون بذبح أضاحيهم تنفيذا لأمر لله، فالمؤمن في كل عيد يُحيِّن -يعيد عيش- تجربتي آدم وإبراهيم، فيخرج من العالم كأنه في جنة آدم، لكن لا يقبل غواية إبليس، بل يتمسك بعهد الله، فيرجمه كما رجمه إبراهيم، ويذبح كما ذبح.

شاهد أيضاً

هزيمة داعش والدولة الاسلامية في المعركة ضد الجيش المصري

ليه الجماعات الجهادية قدرت توقع وتبهدل كل الجيوش اللي بتحاربها ما عدا الجيش المصري ؟؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!